محمد بن جرير الطبري
257
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عمله في الآخرة الجنة ، ثم نسخ ذلك بقوله : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ فتأويل الآية إذا على ما ذكرنا عن مجاهد والسدي : إن الذين آمنوا من هذه الأَمة ، والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن من اليهود والنصارى والصابئين بالله واليوم الآخر ، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . والذي قلنا من التأويل الأَول أشبه بظاهر التنزيل ، لأَن الله جل ثناؤه لم يخصص بالأَجر على العمل الصالح مع الإِيمان بعض خلقه دون بعض منهم ، والخبر بقوله : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ عن جميع ما ذكر في أول الآية . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ قال أبو جعفر : الميثاق : المفعال من الوثيقة إما بيمين ، وإما بعهد أو غير ذلك من الوثائق . ويعني بقوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ الميثاق الذي أخبر جل ثناؤه أنه أخذ منهم في قوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً الآيات التي ذكر معها . وكان سبب أخذ الميثاق عليهم فيما ذكره ابن زيد ما : حدثني به يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : لما رجع موسى من عند ربه بالأَلواح قال لقومه بني إسرائيل : إن هذه الأَلواح فيها كتاب الله ، وأمره الذي أمركم به ، ونهيه الذي نهاكم عنه ، فقالوا : ومن يأخذه بقولك أنت ؟ لا والله حتى نرى الله جهرة حتى يطلع الله علينا فيقول : هذا كتابي فخذوه فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى فيقول : هذا كتابي فخذوه ؟ قال : فجاءت غضبة من الله فجاءتهم صاعقة فصعقتهم ، فماتوا أجمعون . قال : ثم أحياهم الله بعد موتهم ، فقال لهم موسى : خذوا كتاب الله فقالوا : لا ، قال : أي شيء أصابكم ؟ قالوا : متنا ثم حيينا ، قال : خذوا كتاب الله قالوا : لا . فبعث ملائكته فنتقت الجبل فوقهم ، فقيل لهم : أتعرفون هذا ؟ قالوا : نعم ، هذا الطور ، قال : خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم قال : فأخذوه بالميثاق . وقرأ قول الله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً حتى بلغ : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ قال : ولو كانوا أخذوه أول مرة لأَخذوه بغير ميثاق . القول في تأويل قوله تعالى : وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ . قال أبو جعفر : وأما الطور فإنه الجبل في كلام العرب ، ومنه قول العجاج : داني جناحيه من الطور فمر * تقضي البازي إذا البازي كسر وقيل إنه الطور اسم جبل بعينه . وذكر أنه الجبل الذي ناجى الله عليه موسى . وقيل : أنه من الجبال ما أنبت دون ما لم ينبت . ذكر من قال : هو الجبل كائنا ما كان حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : أمر موسى قومه أن يدخلوا الباب سجدا ويقولوا حطة وطؤطئ لهم الباب ليسجدوا ، فلم يسجدوا ودخلوا على أدبارهم ، وقالوا حنطة . فنتق فوقهم الجبل يقول : أخرج أصل الجبل من الأَرض فرفعه فوقهم كالظلة ، والطور بالسريانية : الجبل تخويفا أو خوفا ، شك أبو عاصم فدخلوا سجدا على خوف وأعينهم إلى الجبل ، وهو الجبل الذي تجلى له ربه . وحدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : رفع الجبل فوقهم كالسحابة ، فقيل لهم : لتؤمنن أو ليقعن عليكم ، فآمنوا . والجبل بالسريانية : الطور . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ